في الطابق السابع تحديدًا الغرفة 31.
الغرفة كما هي كل يوم.
المصباح يتدلّى من السقف، لكنه لا يُنير شيئًا حقيقيًا.
السرير له حوافّ معدنية باردة، والجدران مطلية بلون لا اسم له.
النافذة تطل على ساحة ترابية، لا أحد يمرّ بها.
ورغم ذلك، كان سهراب يستيقظ كل صباح وينظر منها.
كان يشعر أن شيئًا ما يتحرّك، لا في الخارج، بل داخله.
ليس شعورًا صريحًا، بل أقرب إلى اهتزاز طفيف في الوعي.
كما لو أن عقلًا آخر يُجرب أن يسكن في رأسه، دون أن يُثير الكثير من الضجيج.
الأطباء كانوا يبتسمون كثيرًا، وهذا ما جعله يشكّ أكثر.
“هل الذي يبتسم لي هو الطبيب، أم شيء آخر يحاول طمأنتي باسم العلم؟”
لم يكن خائفًا منهم. لكنه كان مرتابًا من فكرة أن أحدًا يظنّ أنه يعرف ما يحدث.
في أول الأيام، كان سهراب يتكلم.
كان يشرح.
يقول إن هناك صوتًا يأتيه، ليس شريرًا، ليس مؤذيًا، فقط موجود.
صوتٌ يجلس معه في الغرفة، يأكل معه، يقرأ له، يلومه أحيانًا، ويعطيه أفكارًا لا يعرف من أين جاءت.
لكنهم كانوا يكتبون ما يقوله، ويهزّون رؤوسهم.
كأنه ارتكب خطأً حين صدّق أنه يستطيع أن يُفهم.
توقف عن الكلام.
بعدها، صار الوقت خفيفًا. لا يعني شيئًا.
كان النهار مثل الليل، والساعة الخامسة تشبه الساعة العاشرة.
لا شيء ينتظر أن يحدث، ولا شيء يجب أن يحدث.
حتى عندما دخلت مريضة جديدة الغرفة، لم يرفع عينيه.
سألته عن اسمه، فأجاب: “يمكنك أن تختاري واحدًا.”
هي لم تفهم.
هو لم يحاول أن يوضّح.
كل صباح، يأتي عامل النظافة وينظّف الأرضيات.
سهراب يراقبه. ليس لأنه مهتم، بل لأنه شيء يتحرك.
شيء لا يسأله أسئلة.
شيء لا يتحدث إليه.
في الليل، يسمع الأصوات بوضوح أكثر.
ليست أصواتًا مفزعة. بل مألوفة جدًا.
كأنها تسجيلات من حياته السابقة، تُعاد كل يوم دون أن تطلب إذنًا.
أحيانًا، كان يسمع اسمه.
لكن لا أحد يناديه.
لم يكن ذلك مرعبًا، بل مألوفًا بشكل غريب، كما لو أن هذا هو الطبيعي… أن يكون لك اسم، ولا يكون لك مَن يناديه.
في جلسة العلاج الأخيرة، سُئل سؤالًا مباشرًا:
“هل تشعر أنك شخص مختلف؟”
ردّ بعد صمت طويل:
“أنا لم أشعر يومًا أنني شخص محدد، كي أُقارَن بآخر.”
أراد الطبيب أن يُقنعه أن ما يشعر به ليس حقيقيًا.
سهراب ابتسم، ثم قال:
“ما معنى الحقيقي، إذا كان لا أحد يعيش الحياة ذاتها؟”
لم يكن مجنونًا، ولم يكن حكيمًا.
كان ببساطة واعيًا أكثر من اللازم.
والوعي، كما يعرف كل من جربه بصدق، ليس ميزة.
هو حمل.
هو غرفة بلا نوافذ.
هو النظر إلى العالم كما هو، دون مكياج، ودون أكاذيب، ودون أمل.
في النهاية، كتب ملاحظة صغيرة، ووضعها على طاولة الطعام.
لم يكن فيها وداع، ولا تفسير، ولا اعتذار.
فقط جملة واحدة:
“كل شيء واضح، لذلك لم يعُد هناك ما يُقال.”
وخرج من الغرفة.
لم يُلاحظه أحد.

